فى خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا فى مسار السياسة النقدية، أطلق البنك المركزى المصرى مرحلة جديدة من “التيسير العميق” عبر قرارين متزامنين بخفض أسعار الفائدة بنسبة 1% وتقليص نسبة الاحتياطى النقدى الإلزامى من 18% إلى 16%، فى رسالة واضحة بأن معركة التضخم دخلت منعطفًا مختلفًا، وأن الأولوية باتت الآن لدفع عجلة النمو وتعزيز السيولة داخل الاقتصاد.
قال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن كثيرين يركزون عادةً على قرار خفض سعر الفائدة، لكن القرار الأهم والأكثر دلالة في اجتماع لجنة السياسة النقدية اليوم 12/02/2026، هو خفض نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي من 18% إلى 16%، معتبرًا إياه “نجم الحفل” الحقيقي في هذه القرارات.
وأوضح عبد العال أن الاحتياطي الإلزامي هو نسبة من ودائع البنوك تُودع لدى البنك المركزي دون أن تحصل عليها البنوك أي عائد، كإجراء احترازي لضبط السيولة. فعندما يتم رفع هذه النسبة – كما حدث سابقًا من 14% إلى 18% – يكون الهدف امتصاص السيولة الزائدة من السوق والحد من الضغوط التضخمية عبر تقليص قدرة البنوك على الإقراض. أما عندما يتم خفضها، فذلك يعني تحرير جزء من أموال البنوك المجمدة ومنحها القدرة على إعادة ضخها في الاقتصاد.
وأشار إلى أن الجمع بين خفض الفائدة وخفض الاحتياطي في توقيت واحد ليس مصادفة، بل يعكس رؤية متكاملة، فخفض الفائدة يقلل تكلفة التمويل، بينما خفض الاحتياطي يضمن توافر السيولة نفسها. بمعنى آخر، المركزي لم يكتفِ بفتح باب الاقتراض، بل حرص على التأكد من وجود أموال كافية خلف هذا الباب.
وأكد عبد العال أن القرار يحمل بعدًا توازنيًا مهمًا؛ فالمركزي لم يعد مباشرة إلى نسبة 14% السابقة، وإنما اختار مسارًا تدريجيًا محسوبًا، يهدف إلى ضخ سيولة محفزة للإنتاج، خاصة في القطاعات الصناعية والزراعية، مع الاحتفاظ بأدوات السيطرة تحسبًا لأي ضغوط تضخمية محتملة.
وأضاف أن خفض الاحتياطي يمثل دعمًا استراتيجيًا للمراكز المالية للبنوك، إذ تتحول الأموال التي كانت مجمدة بلا عائد إلى سيولة قابلة للتوظيف والاستثمار، ما يعزز ربحية البنوك ويمنحها مرونة أكبر لقيادة مرحلة التيسير النقدي المقبلة.
وأوضح أن المركزي لا يستهدف فقط خفض تكلفة الاقتراض، بل يسعى كذلك إلى ضمان وفرة السيولة داخل الجهاز المصرفي. كما أن هذه الخطوة تعوض جزئيًا أثر خفض الفائدة على هوامش ربحية البنوك، عبر منحها مساحة أكبر لإعادة توظيف السيولة بعوائد مناسبة، مع إمكانية تحسين بعض الأوعية الادخارية للعملاء.
أكد على أن القرار يحمل رسالة ثقة واضحة في مسار الاقتصاد؛ فخفض الفائدة يعكس الاطمئنان إلى اتجاه التضخم النزولي، بينما خفض الاحتياطي يعكس رهانًا صريحًا على النمو وتحريك عجلة الإنتاج، في إطار سياسة نقدية دخلت بالفعل مرحلة أكثر عمقًا وتأثيرًا.



