في خضم التحديات الاقتصادية والتحولات التكنولوجية السريعة، يبدو أن الوقت قد حان لكي تطرح البنوك التقليدية سؤالاً مؤلماً ومصيرياً: هل الفرع البنكي التقليدي لم يعد سوى عبء؟
هذا هو الجوهر الصارخ الذي يطرحه الخبير والمفكر المالي الرائد، بريت كينج، في أحدث كتبه “Branch Today, Gone Tomorrow”
وكينج ليس مجرد ناقد عابر؛ بل هو أحد أبرز رواد التكنولوجيا المالية، ومؤلف كتاب “Bank 2.0” ومؤسس بنك “Movenbank”.
إنها ليست نبوءة تشاؤمية، بل هي حجة تجارية لا تقبل الجدل لإنهاء هيمنة الفرع المادي على استراتيجيات البنوك. بصراحة تامة، يصف كينج الفرع بأنه “نموذج يحتضر” يكلف البنوك ثروة دون أن يعود عليها بعائد يذكر.
تناقض قاتل: إنفاق 80% على قنوات مهجورة
ما يضع يدي على جرح القطاع المصرفي اليوم هو التناقض الجوهري الذي يكشفه كينج. فبينما يواجه المصرفيون تحديات متصاعدة، يلوح في الأفق تحدٍ جديد أشد قسوة: زوال الفرع.
يقول كينج: في الاقتصادات المتقدمة، انخفضت زيارات العملاء إلى الفروع بنسبة مذهلة تتراوح بين 80% و 90%، لأن العميل لم يعد يريد رؤيتكم!
وفي بلد مثل الولايات المتحدة، انخفض حجم المعاملات التي تتم داخل الفروع بنحو 60% خلال عقد زمني واحد تقريباً (2006-2015).
ومع ذلك، ورغم هذا التراجع الحاد في الاستخدام، تخصص معظم البنوك ما يزيد عن 80% من ميزانية قنواتها لتمويل العقارات، والتوظيف، ودعم هذه الفروع المادية!
تخيل أن شركة طيران تخصص 80% من ميزانية وقودها لطائرات خرجت من الخدمة، هذا هو بالضبط ما تفعله البنوك.
الهاتف المحمول هو بنك المستقبل
في عالم أصبحت فيه التفاعلات المصرفية الأسرع نموًا تتم عبر الإنترنت، والهواتف المحمولة، ووسائل التواصل الاجتماعي، يتساءل كينج بحدة: ما هو شكل بنك المستقبل؟ والأهم: إلى أين سيذهب كل هذا الإنفاق المهدور؟
لا يدعو كينج إلى الإغلاق الفوري لكل فرع، بل يطالب البنوك بالتخلي عن الفكرة التي عفا عليها الزمن بأن الفرع هو “مركز الكون” لاستراتيجيات الاستحواذ على العملاء وتقديم الخدمات.
وكما يؤكد الخبير بوضوح: “الأمر لا يتعلق بالتخلص من كل فرع لديك، بل بفهم كيف يتغير القطاع المصرفي عندما لا تكون الفروع هي المحور الرئيسي للاستحواذ والخدمة”.
كتاب “Branch Today, Gone Tomorrow” هو دراسة تفصيلية عميقة تغوص في اقتصاديات القطاع، والتحولات السلوكية لدى المستهلكين، ونماذج التوزيع الجديدة للبيع بالتجزئة التي تتحدى النماذج “المتمحورة حول الفرع”.
بالنسبة لي، وكما يرى كينج، فإن الموجة قادمة لا محالة. توقعه بخفض 50% في عدد الفروع خلال السنوات القليلة المقبلة ليس مبالغة، بل هو دعوة عاجلة للمديرين التنفيذيين للبدء في التخطيط الآن لمصير الصرافين وموظفي الفروع، وما سيحدث لكل تلك العقارات الضخمة التي استهلكت مليارات الدولارات.
إن كتاب بريت كينج ليس مجرد تنبؤ، بل هو خطة عمل مفصلة وضرورية تدعو البنوك للبدء في التحول الرقمي الحقيقي وإعادة توجيه مواردها الضخمة. عليهم أن يتحركوا الآن لتوظيف هذه المليارات في بناء قنوات رقمية تخدم عميل الغد، بدلاً من إهدارها على صيانة ذكريات الأمس. أوقِفوا الهدر، وابدأوا ببناء المستقبل.



